طلعت القضاه يكتب؛
تركيا؛ القوة الناعمة-1
لم تكن استراتيجية "صفر مشكلات" التي تبنتها تركيا مطلع الألفية مجرد شعار دبلوماسي، بل كانت ركيزة استراتيجية لإعادة صياغة دورها في محيطها الإقليمي. من خلال رؤية "العمق الاستراتيجي"، نجحت أنقرة في تحويل جغرافيتها من نقطة تقاطع أزمات إلى جسر للتكامل الاقتصادي والثقافي.
اعتمدت تركيا بذكاء على "القوة الناعمة" كأداة اختراق؛ فبينما كانت الدبلوماسية تعمل على إزالة الحواجز الحدودية وتسهيل تدفق الاستثمارات، كان التأثير الثقافي عبر الدراما والتعليم والمنظمات الإنسانية يبني جسوراً من القبول الشعبي. هذا المزيج الفريد مكّن المنتجات التركية من غزو الأسواق، وأطلق نهضة اقتصادية جعلت من النموذج التركي تجربة ملهمة للجمع بين الديمقراطية، الإسلام، والتنمية الاقتصادية.
إن هذا التحول لم يكن ترفاً سياسياً، بل كان ضرورة فرضتها طموحات تركيا لتصبح قوة إقليمية مركزية؛ إذ أدت قرارات مثل إلغاء تأشيرات الدخول وتوقيع اتفاقيات التجارة الحرة مع دول الجوار إلى طفرة ملموسة في قطاعات السياحة والصناعات التحويلية، مما جعل من التعاون الإقليمي رافعة أساسية للازدهار المحلي.
ورغم التحديات الجيوسياسية المتلاحقة التي أعادت تشكيل المنطقة، يظل هذا النهج درساً تاريخياً في كيفية استثمار "القوة الناعمة" لتحويل طموحات الدولة إلى واقع ملموس، يوازن بين المصالح الاقتصادية القومية والانفتاح الإقليمي الواسع.
ولكن، كيف أثرت التغيرات الإقليمية العاصفة بعد عام 2011 على هذه الاستراتيجية؟ وهل أخفقت أم تطورت في مواجهة الواقع الجديد؟ هذا ما سنتناوله في مقالنا القادم.